فصل: تفسير الآيات رقم (44- 58)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير النسفي المسمى بـ «مدارك التنزيل وحقائق التأويل» ***


الجزء الثاني

سورة الأعراف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 9‏]‏

‏{‏المص ‏(‏1‏)‏ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏2‏)‏ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏3‏)‏ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ‏(‏4‏)‏ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏5‏)‏ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏6‏)‏ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ‏(‏7‏)‏ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏8‏)‏ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏المص‏}‏ قال الزجاج‏:‏ المختار في تفسيره ما قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أنا الله أعلم وأفصل ‏{‏كِتَابٌ‏}‏ خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب ‏{‏أُنزِلَ إِلَيْكَ‏}‏ صفته والمراد بالكتاب السورة ‏{‏فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ‏}‏ شك فيه، وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه أي لا شك في أنه منزل من الله أو حرج منه بتبليغه لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم، فكان يضيق صدره من الأذى ولا ينشط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم، والنهي متوجه إلى الحرج وفيه من المبالغة ما فيه، والفاء للعطف أي هذا الكتاب أنزلناه إليك فلا يكن بعد إنزاله حرج في صدرك‏.‏ واللام في ‏{‏لِتُنذِرَ بِهِ‏}‏ متعلق ب ‏{‏أُنزِلَ‏}‏ أي أنزل إليك لإنذارك به، أو بالنهي ولأنه إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذا إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور متوكل على ربه ‏{‏وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ في محل النصب بإضمار فعلها أي لتنذر به وتذكر تذكيراً، فالذكرى اسم بمعنى التذكير، أو الرفع بالعطف على ‏{‏كِتَابٌ‏}‏ أي هو كتاب وذكرى للمؤمنين، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف، أو الجر بالعطف على محل ‏{‏لّتُنذِرَ‏}‏ أي للإنذار وللذكرى ‏{‏اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ‏}‏ أي القرآن والسنة ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ‏}‏ من دون الله ‏{‏أَوْلِيَاء‏}‏ أي ولا تتولوا من دونه من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع ‏{‏قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ‏}‏ حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره و‏{‏قَلِيلاً‏}‏ نصب ب ‏{‏تَذَكَّرُونَ‏}‏ أي تذكرون تذكراً قليلاً‏.‏ و«ما» مزيدة لتوكيد القلة ‏{‏تَتَذَكَّرُونَ‏}‏ شامي‏.‏

‏{‏وَكَمْ‏}‏ مبتدأ ‏{‏مِن قَرْيَةٍ‏}‏ تبيين والخبر ‏{‏أهلكناها‏}‏ أي أردنا إهلاكها كقوله ‏{‏إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏ ‏{‏فَجَاءهَا‏}‏ جاء أهلها ‏{‏بَأْسَنَا‏}‏ عذابنا ‏{‏بَيَاتًا‏}‏ مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين، يقال بات بياتاً حسناً ‏{‏أَوْ هُمْ قَائِلُونَ‏}‏ حال معطوفة على ‏{‏بَيَاتًا‏}‏ كأنه قيل‏:‏ فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين‏.‏ وإنما قيل ‏{‏هُمْ قَائِلُونَ‏}‏ بلا «واو» ولا يقال «جاءني زيد هو فارس» بغير واو، لأنه لما عطف على حال قبلها حذفت الواو استثقالاً لاجتماع حرفي عطف، لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل‏.‏ وخص هذان الوقتان لأنهما وقتا الغفلة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع‏.‏ وقوم لوط عليه السلام أهلكوا بالليل وقت السحر، وقوم شعيب عليه السلام وقت القيلولة‏.‏ وقيل ‏{‏بَيَاتًا‏}‏ ليلاً أي ليلاً وهم نائمون أو نهاراً وهم قائلون ‏{‏فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ‏}‏ دعاؤهم وتضرعهم ‏{‏إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا‏}‏ لما جاءهم أوائل العذاب ‏{‏إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين‏}‏ اعترفوا بالظلم على أنفسهم والشرك حين لم ينفعهم ذلك‏.‏

و ‏{‏دَعْوَاهُمْ‏}‏ اسم «كان» و‏{‏أَن قَالُواْ‏}‏ الخبر ويجوز العكس ‏{‏فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ‏}‏ أرسل مسند إلى إليهم أي فلنسألن المرسل إليهم وهم الأمم عما أجابوا به رسلهم ‏{‏وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين‏}‏ عما أجيبوا به ‏{‏فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم‏}‏ على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ‏{‏بِعِلْمِ‏}‏ عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم ‏{‏وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ‏}‏ عنهم وعما وجد منهم ومعنى السؤال التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا به بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم ‏{‏والوزن‏}‏ أي وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها وهو مبتدأ وخبره ‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ أي يوم يسأل الله الأمم ورسلهم فحذفت الجملة وعوض عنها التنوين ‏{‏الحق‏}‏ أي العدل صفته ثم قيل توزن صحف الأعمال بميزان له لسان وكفتان إظهاراً للنصفة وقطعاً للمعذرة‏.‏ وقيل‏:‏ هو عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل، والله أعلم بكيفيته ‏{‏فَمَن ثَقُلَتْ موازينه‏}‏ جمع ميزان أو موزون أي فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات أو ما توزن به حسناتهم ‏{‏فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون‏}‏ الفائزون ‏{‏وَمَنْ خَفَّتْ موازينه‏}‏ هم الكفار فإنه لا إيمان لهم ليعتبر معه عمل فلا يكون في ميزانهم خير فتخف موازينهم ‏{‏فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ‏}‏ يجحدون فالآيات الحجج والظلم بها وضعها في غير موضعها أي جحودها وترك الانقياد لها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 21‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ‏(‏10‏)‏ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ‏(‏11‏)‏ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ‏(‏12‏)‏ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ‏(‏13‏)‏ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏14‏)‏ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ‏(‏15‏)‏ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ‏(‏17‏)‏ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏18‏)‏ وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏19‏)‏ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ‏(‏20‏)‏ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ مكناكم فِى الأرض‏}‏ جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً، أو مكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها ‏{‏وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش‏}‏ جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما‏.‏ والوجه تصريح الياء لأنها أصلية بخلاف صحائف فالياء فيها زائدة، وعن نافع أنه همز تشبيهاً بصحائف ‏{‏قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ‏}‏ مثل ‏{‏قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 42‏]‏‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم‏}‏ أي خلقنا أباكم آدم عليه السلام طيناً غير مصور ثم صورناه بعد ذلك دليله ‏{‏ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين‏}‏ ممن سجد لآدم عليه السلام ‏{‏قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ‏}‏ «ما» رفع أيْ أيّ شيء منعك من السجود‏؟‏ «ولا» زائدة بدليل ‏{‏مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 75‏]‏ ومثلها ‏{‏لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 29‏]‏ أي ليعلم ‏{‏إِذْ أَمَرْتُكَ‏}‏ فيه دليل على أن الأمر للوجوب، والسؤال عن المانع من السجود مع علمه به للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وتحقيره أصل آدم عليه السلام ‏{‏قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ‏}‏ وهي جوهر نوراني ‏{‏وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ‏}‏ وهو ظلماني وقد أخطأ الخبيث بل الطين أفضل لرزانته ووقاره ومنه الحلم والحياء والصبر وذلك دعاه إلى التوبة والاستغفار، وفي النار الطيش والحدة والترفع وذلك دعاه إلى الاستكبار‏.‏ والتراب عمدة الممالك، والنار عدة المهالك‏.‏ والنار مظنة الخيانة والإفناء، والتراب مئنة الأمانة والإنماء، والطين يطفيء النار ويتلفها، والنار لا تتلفه‏.‏ وهذه فضائل غفل عنها إبليس حتى زل بفاسد من المقاييس‏.‏ وقولنا في القياس أول من قاس إبليس قياس‏.‏ على أن القياس عند مثبته مردود عند وجود النصوص وقياس إبليس عناد للأمر المنصوص‏.‏ وكان الجواب ل ‏{‏مَا مَنَعَكَ‏}‏ أن يقول «منعني كذا» وإنما قال ‏{‏أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ‏}‏ لأنه قد استأنف قصة وأخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم عليه السلام وبعلة فضله عليه فعلم منها الجواب كأنه قال‏:‏ منعني من السجود فضلي عليه، وزيادة عليه وهي إنكار الأمر واستبعاد أن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثله، إذ سجود الفاضل للمفضول خارج عن الصواب ‏{‏قَالَ فاهبط مِنْهَا‏}‏ من الجنة أو من السماء لأنه كان فيها وهي مكان المطيعين والمتواضعين‏.‏ والفاء في ‏{‏فاهبط‏}‏ جواب لقوله ‏{‏أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ‏}‏ أي إن كنت تتكبر فاهبط ‏{‏فَمَا يَكُونُ لَكَ‏}‏ فما يصح لك ‏{‏أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا‏}‏ وتعصي ‏{‏فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين‏}‏ من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه، يذمك كل إنسان ويلعنك كل لسان لتكبرك، وبه علم أن الصغار لازم للاستكبار ‏{‏قَالَ أَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏}‏ أمهلني إلى يوم البعث وهو وقت النفخة الأخيرة ‏{‏قَالَ إِنَّكَ مِنَ المنظرين‏}‏ إلى النفخة الأولى‏.‏

وإنما أجيب إلى ذلك لما فيه من الابتلاء، وفيه تقريب لقلوب الأحباب أي هذا بريء بمن يسيئني فكيف بمن يحبني وإنما جسره على السؤال مع وجود الزلل منه في الحال علمه بحلم ذي الجلال‏.‏

‏{‏قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى‏}‏ أضللتني أي فبسبب إغوائك إياي‏.‏ والباء تتعلق بفعل القسم المحذوف تقديره فسبب إغوائك أقسم، أو تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك ‏{‏لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم‏}‏ لأعترضن لهم على طريق الإسلام مترصداً للرد متعرضاً للصد كما يتعرض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة‏.‏ وانتصابه على الظرف كقولك «ضرب زيد الظهر» أي على الظهر‏.‏ وعن طاوس أنه كان في المسجد الحرام فجاء رجل قدري فقال له طاوس‏:‏ تقوم أو تقام‏.‏ فقام الرجل فقيل له‏:‏ أتقول هذا لرجل فقيه‏؟‏ فقال‏:‏ إبليس أفقه منه ‏{‏قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي‏}‏ وهو يقول أنا أغوي نفسي‏.‏

‏{‏ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏}‏ أشككهم في الآخرة ‏{‏وَمِنْ خَلْفِهِمْ‏}‏ أرغبهم في الدنيا ‏{‏وَعَنْ أيمانهم‏}‏ من قبل الحسنات ‏{‏وَعَن شَمَائِلِهِمْ‏}‏ من قبل السيئات وهو جمع شمال يعني ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الأغلب‏.‏ وعن شقيق‏:‏ ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد‏:‏ من بين يدي فيقول لا تخف فإن الله غفور رحيم فاقرأ ‏{‏وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ وَعَمِلَ صالحا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 82‏]‏‏.‏ ومن خلفي فيخوفني الضيعة على مخلفي فاقرأ ‏{‏وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 6‏]‏ وعن يميني فيأتيني من قبل الثناء فاقرأ ‏{‏والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 83‏]‏ وعن شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ ‏{‏وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 54‏]‏ ولم يقل من فوقهم ومن تحتهم لمكان الرحمة والسجدة، وقال في الأولين «من» لابتداء الغاية وفي الأخيرين «عن» لأن «عن» تدل على الانحراف ‏{‏وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين‏}‏ مؤمنين قاله ظناً فأصاب لقوله ‏{‏وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 20‏]‏ أو سمعه من الملائكة بإخبار الله تعالى إياهم‏.‏

‏{‏قَالَ اخرج مِنْهَا‏}‏ من الجنة أو من السماء ‏{‏مَذْءومًا‏}‏ معيباً من ذأمه إذا ذمه والذأم والذم العيب ‏{‏مَّدْحُورًا‏}‏ مطروداً مبعداً من رحمة الله‏.‏ واللام في ‏{‏لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ‏}‏ موطئة للقسم وجوابه ‏{‏لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ‏}‏ وهو ساد مسد جواب الشرط ‏{‏مّنكُمْ‏}‏ منك ومنهم فغلب ضمير المخاطب ‏{‏أَجْمَعِينَ وَيا ءَادَمَ‏}‏ وقلنا يا آدم بعد إخراج إبليس من الجنة ‏{‏اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة‏}‏ اتخذها مسكناً ‏{‏فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا‏}‏ فتصيرا ‏{‏مِنَ الظالمين فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان‏}‏ وسوس إذا تكلم كلاماً خفياً يكرره وهو غير متئد، ورجل موسوس بكسر الواو ولا يقال موسوس بالفتح ولكن موسوس له وموسوس إليه وهو الذي يلقي إليه الوسوسة‏.‏

ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس إليه ألقاها إليه ‏{‏لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءاتِهِمَا‏}‏ ليكشف لهما ما ستر عنهما من عوراتهما‏.‏ وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه لم يزل مستقبحاً في الطباع والعقول‏.‏ فإن قلت‏:‏ ما للواو المضمومة في ‏{‏ووري‏}‏ لم تقلب همزة كما في «أو يصل» تصغير واصل وأصله «وويصل» فقلبت الواو همزة كراهة لاجتماع الواوين‏؟‏ قلت‏:‏ لأن الثانية مدة كألف «وارى» فكما لم يجب همزها في «واعد» لم يجب في ‏{‏وورى‏}‏ وهذا لأن الواوين إذا تحركتا ظهر فيهما من الثقل ما لا يكون فيهما إذا كانت الثانية ساكنة، وهذا مدرك بالضرورة فالتزموا إبدالها في موضع الثقل لا في غيره‏.‏ وقرأ عبد الله ‏{‏أورى‏}‏ بالقلب ‏{‏وَقَالَ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ‏}‏ إلا كراهة أن تكونا ملكين تعلمان الخير والشر وتستغنيان عن الغذاء‏.‏ وقرئ ‏{‏مَلَكَيْنِ‏}‏ لقوله ‏{‏وَمُلْكٍ لاَّ يبلى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 120‏]‏ ‏{‏أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين‏}‏ من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين ‏{‏وَقَاسَمَهُمَا‏}‏ وأقسم لهما ‏{‏إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين‏}‏ وأخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه لما كان منه القسم ومنهما التصديق فكأنهما من اثنين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 36‏]‏

‏{‏فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏22‏)‏ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏23‏)‏ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ‏(‏24‏)‏ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ‏(‏25‏)‏ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏26‏)‏ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏27‏)‏ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏28‏)‏ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ‏(‏29‏)‏ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏30‏)‏ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ‏(‏31‏)‏ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏32‏)‏ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏33‏)‏ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ‏(‏34‏)‏ يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏35‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏فدلاهما‏}‏ فنزلهما إلى الأكل من الشجرة ‏{‏بِغُرُورٍ‏}‏ بما غرهما به من القسم بالله وإنما يخدع المؤمن بالله‏.‏ وعن ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ من خدعنا بالله انخدعنا له ‏{‏فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة‏}‏ وجدا طعمها آخذين في الأكل منها وهي السنبلة أو الكرم ‏{‏بَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا‏}‏ ظهرت لهما عوراتهما لتهافت اللباس عنهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر‏.‏ وقيل‏:‏ كان لباسهما من جنس الأظفار أي كالظفر بياضاً في غاية اللطف واللين فبقي عند الأظفار تذكيراً للنعم وتجديداً للندم ‏{‏وَطَفِقَا‏}‏ وجعلا يقال طفق يفعل كذا أي جعل ‏{‏يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة‏}‏ يجعلان على عورتهما من ورق التين أو الموز ورقة فوق ورقة ليستترا بها كما تخصف النعل‏.‏

‏{‏وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة‏}‏ هذا عتاب من الله وتنبيه على الخطأ‏.‏ وروي أنه قال لآدم عليه السلام‏:‏ ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة‏؟‏ فقال‏:‏ بلى ولكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً قال‏:‏ فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا بكد يمين وعرق جبين، فأهبط وعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وسقى وحصد ودرس وذرى وطحن وعجن وخبز ‏{‏وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ * قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين‏}‏ فيه دليل لنا على المعتزلة لأن الصغائر عندهم مغفورة ‏{‏قَالَ اهبطوا‏}‏ الخطاب لآدم وحواء بلفظ الجمع لأن إبليس هبط من قبل، ويحتمل أنه هبط إلى السماء ثم هبطوا جميعاً إلى الأرض ‏{‏بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ‏}‏ في موضع الحال أي متعادين يعاديهما إبليس ويعاديانه ‏{‏وَلَكُمْ فِى الأرض مُسْتَقَرٌّ‏}‏ استقرار أو موضع استقرار ‏{‏ومتاع‏}‏ وانتفاع بعيش ‏{‏إلى حِينٍ‏}‏ إلى انقضاء آجالكم‏.‏ وعن ثابت البناني‏:‏ لما أهبط آدم عليه السلام وحضرته الوفاة وأحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها‏:‏ خلي ملائكة ربي فإنما أصابني ما أصابني فيك‏.‏ فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له قبراً ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه‏:‏ هذه سنتكم بعده ‏{‏قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ‏}‏ في الأرض ‏{‏وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ‏}‏ للثواب والعقاب ‏{‏تُخْرَجُونَ‏}‏ حمزة وعلي ‏{‏يابَنِي ءادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا‏}‏ جعل ما في الأرض منزلاً من السماء لأن أصله من الماء وهو منها ‏{‏يوارى سَوْءاتِكُمْ‏}‏ يستر عوراتكم ‏{‏وَرِيشًا‏}‏ لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين‏:‏ لباساً يواري سوءاتكم ولباساً يزينكم ‏{‏وَلِبَاسُ التقوى‏}‏ ولباس الورع الذي يقي العقاب وهو مبتدأ وخبره الجملة وهي ‏{‏ذلك خَيْرٌ‏}‏ كأنه قيل‏:‏ ولباس التقوى هو خير لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر، أو ‏{‏ذلك‏}‏ صفة للمبتدأ و‏{‏خَيْرٌ‏}‏ خبر المبتدأ كأنه قيل‏:‏ ولباس التقوى المشار إليه خير، أو ‏{‏لِبَاسَ التقوى‏}‏ خبر مبتدأ محذوف أي وهو لباس التقوى أي ستر العورة لباس المتقين، ثم قال ‏{‏ذلك خَيْرٌ‏}‏ وقيل‏:‏ ولباس أهل التقوى من الصوف والخشن‏.‏

‏{‏وَلِبَاسُ التقوى‏}‏ مدني وشامي وعلي عطفا على ‏{‏لِبَاساً‏}‏ أي وأنزلنا عليكم لباس التقوى ‏{‏ذلك مِنْ ءايَاتِ الله‏}‏ الدالة على فضله ورحمته على عباده يعني إنزال اللباس ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ‏}‏ فيعرفوا عظيم النعمة فيه، وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوءات وخصف الورق عليها إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري من الفضيحة وإشعاراً بأن التستر من التقوى‏.‏

‏{‏يابنى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة‏}‏ لا يخدعنكم ولا يضلنكم بأن لا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم بأن أخرجهما منها ‏{‏يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا‏}‏ حال أي أخرجهما نازعاً لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما‏.‏ والنهي في الظاهر للشيطان وفي المعنى لبني آدم أي لا تتبعوا الشيطان فيفتنكم ‏{‏لِيُرِيَهُمَا سَوْءتِهِمَا‏}‏ عوراتهما ‏{‏إِنَّهُ‏}‏ الضمير للشأن والحديث ‏{‏يَرَاكُمْ هُوَ‏}‏ تعديل للنهي وتحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو المداجي يكيدكم من حيث لا تشعرون ‏{‏وَقَبِيلُهُ‏}‏ وذريته أو وجنوده من الشياطين وهو عطف على الضمير في ‏{‏يَرَاكُمْ‏}‏ المؤكد ب ‏{‏هُوَ‏}‏، ولم يعطف عليه لأن معمول الفعل هو المستكن دون هذا البارز وإنما يعطف على ما هو معمول الفعل ‏{‏مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ‏}‏ قال ذو النون‏:‏ إن كان هو يراك من حيث لا تراه فاستعن بمن يراه من حيث لا يراه وهو الله الكريم الستار الرحيم الغفار‏.‏

‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ فيه دلالة خلق الأفعال ‏{‏وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة‏}‏ ما يبالغ في قبحه من الذنوب وهو طوافهم بالبيت عراة وشركهم ‏{‏قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا‏}‏ أي إذا فعلوها اعتذروا بأن آبائهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم، وبأن الله أمرهم بأن يفعلوها حيث أقرنا عليها إذا لو كرهها لنقلنا عنها وهما باطلان، لأن أحدهما تقليد للجهال والثاني افتراء على ذي الجلال ‏{‏قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء‏}‏ إذ المأمور به لا بد أن يكون حسناً وإن كان فيه على مراتب على ما عرف في أصول الفقه ‏{‏أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ استفهام إنكار وتوبيخ ‏{‏قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط‏}‏ بالعدل وبما هو حسن عند كل عاقل فكيف يأمر بالفحشاء ‏{‏وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ‏}‏ وقل أقيموا وجوهكم أي اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود أو في كل مكان سجود ‏{‏وادعوه‏}‏ واعبدوه ‏{‏مُخْلِصِينَ لَهُ الدين‏}‏ أي الطاعة مبتغين بها وجهه خالصاً ‏{‏كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ‏}‏ كما أنشأكم ابتداء يعيدكم، احتج عليه في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق، والمعنى أنه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم فأخلصوا له العبادة ‏{‏فَرِيقًا هدى‏}‏ وهم المسلمون ‏{‏وَفَرِيقًا‏}‏ أي أضل فريقاً ‏{‏حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة‏}‏ وهم الكافرون ‏{‏إِنَّهُمُ‏}‏ إن الفريق الذين حق عليهم الضلالة ‏{‏اتخذوا الشياطين أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله‏}‏ أي أنصاراً ‏{‏وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ‏}‏ والآية حجة لنا على أهل الاعتزال في الهداية والإضلال‏.‏

‏{‏يابنى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ‏}‏ لباس زينتكم ‏{‏عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ‏}‏ كلما صليتم‏.‏ وقيل‏:‏ الزينة المشط والطيب، والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئاته للصلاة لأن الصلاة مناجاة الرب فيستحب لها التزين والتعطر كما يجب التستر والتطهر ‏{‏وَكُلُواْ‏}‏ من اللحم والدسم ‏{‏واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ‏}‏ بالشروع في الحرام أو في مجاوزة الشبع ‏{‏إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين‏}‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كل ما شئت، واشرب ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان‏:‏ سرف ومخيلة‏.‏ وكان للرشيد طبيب حاذق فقال لعليّ بن الحسين بن واقد‏:‏ ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان‏:‏ علم الأبدان وعلم الأديان‏.‏ فقال له عليّ‏:‏ قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه وهو قوله ‏{‏وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ‏}‏ فقال النصراني‏:‏ ولم يرو عن رسولكم شيء في الطب فقال‏:‏ قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة وهي قوله عليه السلام «المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته» فقال النصراني‏:‏ ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً‏.‏ ثم استفهم إنكاراً على محرم الحلال بقوله‏.‏

‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله‏}‏ من الثياب وكل ما يتجمل به ‏{‏التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ‏}‏ أي أصلها يعني القطن من الأرض والقز من الدود ‏{‏والطيبات مِنَ الرزق‏}‏ والمستلذات من المآكل والمشارب‏.‏ وقيل‏:‏ كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها ‏{‏قُلْ هِى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فيالحياة الدنيا‏}‏ غير خالصة لهم لأن المشركين شركاؤهم فيها ‏{‏خَالِصَةً يَوْمَ القيامة‏}‏ لا يشركهم فيها أحد‏.‏ ولم يقل للذين آمنوا ولغيرهم لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة والكفار تبع لهم‏.‏ ‏{‏خَالِصَةٌ‏}‏ بالرفع‏:‏ نافع ف ‏{‏هِىَ‏}‏ مبتدأ خبره ‏{‏لِلَّذِينَ ءامَنُواْ‏}‏ و‏{‏فيالحياة الدنيا‏}‏ ظرف للخبر، أو ‏{‏خَالِصَةٌ‏}‏ خبر ثانٍ أو خبر مبتدأ محذوف أي هي خالصة، وغيره نصبها على الحال من الضمير الذي في الظرف الذي هو الخبر أي هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها يوم القيامة ‏{‏كذلك نُفَصّلُ الآيات‏}‏ نميز الحلال من الحرام ‏{‏لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ أنه لا شريك له‏.‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش‏}‏ ‏{‏رَبّي‏}‏ حمزة ‏{‏الفواحش‏}‏ ما تفاحش قبحه أي تزايد ‏{‏مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ‏}‏ سرها وعلانيتها ‏{‏والإثم‏}‏ أي شرب الخمر أو كل ذنب ‏{‏والبغي‏}‏ والظلم والكبر ‏{‏بِغَيْرِ الحق‏}‏ متعلق بالبغي‏.‏ ومحل ‏{‏وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا‏}‏ حجة النصب كأنه قال حرم الفواحش وحرم الشرك ‏{‏يُنَزّلٍ‏}‏ بالتخفيف‏:‏ مكي وبصري، وفيه تهكم إذ لا يجوز أن ينزل برهاناً على أن يشرك به غيره ‏{‏وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ وأن تتقولوا عليه وتفتروا الكذب من التحريم وغيره ‏{‏وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ‏}‏ وقت معين يأتيهم فيه عذاب الاستئصال إن لم يؤمنوا، وهو وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم ‏{‏فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ‏}‏ قيد بساعة لأنها أقل ما يستعمل في الإمهال ‏{‏يابنى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ‏}‏ هي «إن» الشرطية ضمت إليها «ما» مؤكدة لمعنى الشرط، لأن «ما» للشرط ولذا لزمت فعلها النون الثقيلة أو الخفيفة ‏{‏رُسُلٌ مّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءاياتى‏}‏ يقرءون عليكم كتبي وهو في موضع رفع صفة ل ‏{‏رُسُلُ‏}‏ وجواب الشرط ‏{‏فَمَنِ اتقى‏}‏ الشرك ‏{‏وَأَصْلَحَ‏}‏ العمل منكم ‏{‏فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ أصلاً ‏{‏فَلاَ خَوْفٌ‏}‏ يعقوب ‏{‏والذين كَذَّبُواْ‏}‏ منكم ‏{‏بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا‏}‏ تعظموا عن الايمان بها ‏{‏أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 43‏]‏

‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ‏(‏37‏)‏ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏38‏)‏ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ‏(‏39‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ‏(‏40‏)‏ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ‏(‏41‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏42‏)‏ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ‏}‏ فمن أشنع ظلماً ‏{‏مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بئاياته‏}‏ ممن تقول على الله ما لم يقله أو كذب ما قاله ‏{‏أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب‏}‏ ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار ‏{‏حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا‏}‏ ملك الموت وأعوانه‏.‏ و«حتى» غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له وهي «حتى» التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام هنا الجملة الشرطية وهي ‏{‏إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا‏}‏ ‏{‏يَتَوَفَّوْنَهُمْ‏}‏ يقبضون أرواحهم وهو حال من الرسل أي متوفيهم و«ما» في ‏{‏قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ‏}‏ في خط المصحف موصولة ب ‏{‏أَيْنَ‏}‏ وحقها أن تكتب مفصولة لأنها موصولة، والمعنى أين الآلهة الذين تعبدون ‏{‏مِن دُونِ الله‏}‏ ليذبوا عنكم ‏{‏قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا‏}‏ غابوا عنا فلا نراهم ‏{‏وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين‏}‏ اعترفوا بكفرهم بلفظ الشهادة التي هي لتحقيق الخبر‏.‏

‏{‏قَالَ ادخلوا‏}‏ أي يقول الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء الكفار‏:‏ ادخلوا ‏{‏فِى أُمَمٍ‏}‏ في موضع الحال أي كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم ‏{‏قَدْ خَلَتْ‏}‏ مضت ‏{‏مِن قَبْلِكُم مّن الجن والإنس‏}‏ من كفار الجن والإنس ‏{‏فِى النار‏}‏ متعلق ب ‏{‏أَدْخِلُواْ‏}‏ ‏{‏كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ‏}‏ النار ‏{‏لَّعَنَتْ أُخْتَهَا‏}‏ شكلها في الدين أي التي ضلت بالاقتداء بها ‏{‏حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا‏}‏ أصله تداركوا أي تلاحقوا واجتمعوا في النار، فأبدلت التاء دالاً وسكنت للإدغام ثم أدخلت همزة الوصل ‏{‏جَمِيعاً‏}‏ حال ‏{‏قَالَتْ أُخْرَاهُمْ‏}‏ منزلة وهي الأتباع والسفلة ‏{‏لأولاهم‏}‏ منزلة وهي القادة والرءوس‏.‏ ومعنى ‏{‏لأولاهم‏}‏ لأجل أولاهم لأن خطابهم مع الله لا معهم ‏{‏رَبَّنَا‏}‏ يا ربنا ‏{‏هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا‏}‏ مضاعفاً ‏{‏مّنَ النار قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ‏}‏ للقادة بالغواية والإغواء وللأتباع بالكفر والاقتداء ‏{‏ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ‏}‏ ما لكل فريق منكم من العذاب‏.‏ ‏{‏لاَّ يَعْلَمُونَ‏}‏ أبو بكر أي لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر‏.‏

‏{‏وَقَالَتْ أولاهم لأُِخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ‏}‏ عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسفلة ‏{‏لِكُلّ ضِعْفٌ‏}‏ أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وأنا متساوون في استحقاق الضعف ‏{‏فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ‏}‏ بكسبكم وكفركم وهو من قول القادة للسفلة‏.‏ ولا وقف على ‏{‏فَضَّلَ‏}‏ أو من قول الله لهم جميعاً والوقف على ‏{‏فَضَّلَ‏}‏ ‏{‏إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء‏}‏ أي لا يؤذن لهم في صعود السماء ليدخلوا الجنة إذ هي في السماء، أو لا يصعد لهم عمل صالح ولا تنزل عليهم البركة، أو لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين إلى السماء، وبالتاء مع التخفيف‏:‏ أبو عمرو وبالياء معه‏:‏ حمزة وعلي‏.‏

‏{‏وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط‏}‏ حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة أي لا يدخلون الجنة أبداً لأنه علقه بما لا يكون‏.‏ والخياط والمخيط ما يخاط به وهو الإبرة ‏{‏وكذلك‏}‏ ومثل ذلك الجزاء الفظيع الذي وصفنا ‏{‏نَجْزِي المجرمين‏}‏ أي الكافرين بدلالة التكذيب بآيات الله والاستكبار عنها ‏{‏لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ‏}‏ فراش ‏{‏وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ‏}‏ أغطية جمع غاشية ‏{‏وكذلك نَجْزِى الظالمين‏}‏ أنفسهم بالكفر‏.‏

‏{‏والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا‏}‏ طاقتها والتكليف إلزام ما فيه كلفة أي مشقة ‏{‏أولئك‏}‏ مبتدأ والخبر ‏{‏أصحاب الجنة‏}‏ والجملة خبر ‏{‏الذين‏}‏، و‏{‏لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا‏}‏ اعتراض بين المبتدأ والخبر ‏{‏هُمْ فِيهَا خالدون * وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ‏}‏ حقد كان بينهم في الدنيا فلم يبق بينهم إلا التواد والتعاطف، وعن علي رضي الله عنه‏:‏ إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ‏{‏تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأضنهار‏}‏ حال من «هم» في ‏{‏صُدُورُهُمْ‏}‏ والعامل فيها معنى الإضافة ‏{‏وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا‏}‏ لما هو وسيلة إلى هذا الفوز العظيم وهو الإيمان ‏{‏وَمَا كُنَّا‏}‏ ‏{‏مَا كُنَّا‏}‏ بغير «واو»‏:‏ شامي على أنها جملة موضحة للأولى ‏{‏لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله‏}‏ اللام لتوكيد النفي أي وما كان يصح أن نكون مهتدين لولا هداية الله، وجواب «لولا» محذوف دل عليه ما قبله ‏{‏لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق‏}‏ فكان لطفاً لنا وتنبيهاً على الاهتداء فاهتدينا، يقولون ذلك سروراً بما نالوا وإظهاراً لما اعتقدوا ‏{‏وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة‏}‏ «أن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، والجملة بعدها خبرها تقديره ونودوا بأنه تلكم الجنة‏.‏ والهاء ضمير الشأن، أو بمعنى أي كأنه قيل، لهم تلكم الجنة ‏{‏أُورِثْتُمُوهَا‏}‏ أعطيتموها وهو حال من ‏{‏الجنة‏}‏ والعامل فيها ما في ‏{‏تِلْكَ‏}‏ من معنى الإشارة ‏{‏بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ سماها ميراثاً لأنها لا تستحق بالعمل بل هي محض فضل الله وعده على الطاعات كالميراث من الميت ليس بعوض عن شيء بل هو صلة خالصة‏.‏ وقال الشيخ أبو منصور رحمه الله‏:‏ إن المعتزلة خالفوا الله فيما أخبر ونوحاً عليه السلام وأهل الجنة والنار وإبليس، لأنه قال الله تعالى ‏{‏يُضِلُّ مَن يَشَآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 93‏]‏ وقال نوح عليه السلام‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 34‏]‏ وقال أهل الجنة‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله‏}‏ وقال أهل النار‏:‏ ‏{‏لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ‏}‏ ‏[‏ابراهيم‏:‏ 21‏]‏ وقال إبليس ‏{‏فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 58‏]‏

‏{‏وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ‏(‏44‏)‏ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ ‏(‏45‏)‏ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ‏(‏46‏)‏ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏47‏)‏ وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏48‏)‏ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ‏(‏49‏)‏ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏50‏)‏ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ‏(‏51‏)‏ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏52‏)‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏53‏)‏ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏54‏)‏ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ‏(‏55‏)‏ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏56‏)‏ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏(‏57‏)‏ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

‏{‏وناداى أصحاب الجنّة أصحاب النّار أن قد وجدنا‏}‏ «أن» مخففة من الثقيلة أو مفسرة وكذلك ‏{‏أن لعنة اللّه على الظالمين‏}‏ ‏{‏ما وعدنا ربّنا‏}‏ من الثواب ‏{‏حقًّا‏}‏ حال ‏{‏فهل وجدّتم مّا وعد ربّكم‏}‏ من العذاب ‏{‏حقًّا‏}‏ وتقديره وعدكم ربكم فحذف «كم» لدلالة ‏{‏وعدنا ربنا‏}‏ عليه‏.‏ وإنما قالوا لهم ذلك شماتة بأصحاب النار واعترافاً بنعم الله تعالى ‏{‏قالوا نعم‏}‏ وبكسر العين حيث كان‏:‏ عليٌّ ‏{‏فأذّن مؤذّنٌ بينهم‏}‏ نادى مناد وهو ملك يسمع أهل الجنة والنار ‏{‏أن لّعنة اللّه على الظّالمين‏}‏ ‏{‏أن لعنة‏}‏ مكي وشامي وحمزة وعلي ‏{‏الّذين يصدّون‏}‏ يمنعون ‏{‏عن سبيل اللّه‏}‏ دينه ‏{‏ويبغونها عوجاً‏}‏ مفعول ثان ل «يبغون» أي ويطلبون لها الاعوجاج والتناقض ‏{‏وهم بالآخرة‏}‏ بالدار الآخرة ‏{‏كافرون وبينهما‏}‏ وبين الجنة والنار أو بين الفريقين ‏{‏حجابٌ‏}‏ وهو السور المذكور في قوله‏:‏ ‏{‏فضرب بينهم بسور‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 13‏]‏ ‏{‏وعلى الأعراف‏}‏ على أعراف الحجاب وهو السور المضروب بين الجنة والنار وهي أعاليه جمع عرف، استعير من عرف الفرس وعرف الديك ‏{‏رجالٌ‏}‏ من أفاضل المسلمين أو من آخرهم دخولاً في الجنة لاستواء حسناتهم وسيآتهم، أو من لم يرض عنه أحد أبويه أو أطفال المشركين ‏{‏يعرفون كلاًّ‏}‏ من زمرة السعداء والأشقياء ‏{‏بسيماهم‏}‏ بعلامتهم‏.‏ قيل‏:‏ سيما المؤمنين بياض الوجوه ونضارتها، وسيما الكافرين سواد الوجوه وزرقة العيون ‏{‏ونادوا‏}‏ أي أصحاب الأعراف ‏{‏أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم‏}‏ أنه سلام أو أي سلام وهو تهنئة منهم لأهل الجنة ‏{‏لم يدخلوها‏}‏ أي أصحاب الأعراف ولا محل له لأنه استئناف كأن سائلاً سأل أصحاب الأعراف فقيل ‏{‏لم يدخلوها‏}‏ ‏{‏وهم يطمعون‏}‏ في دخولها أوله محل وهو صفة ل ‏{‏رجال‏}‏‏.‏

‏{‏وإذا صرفت أبصارهم‏}‏ أبصار أصحاب الأعراف، وفيه أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ‏{‏تلقآء‏}‏ ظرف أي ناحية ‏{‏أصحاب النّار‏}‏ ورأوا ما هم فيه من العذاب ‏{‏قالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظّالمين‏}‏ فاستعاذوا بالله وفزعوا إلى رحمته أن لا يجعلهم معهم ‏{‏ونادى أصحاب الأعراف رجالاً‏}‏ من رءوس الكفرة ‏{‏يعرفونهم بسيماهم قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم‏}‏ المال أو كثرتكم واجتماعكم و«ما» نافية ‏{‏وما كنتم تستكبرون‏}‏ واستكباركم على الحق وعلى الناس ثم يقولون لهم‏:‏

‏{‏أهؤلاء‏}‏ مبتدأ ‏{‏الّذين‏}‏ خبر مبتدأ مضمر تقديره أهؤلاء هم الذين ‏{‏أقسمتم‏}‏ حلفتم في الدنيا، والمشار إليهم فقراء المؤمنين كصهيب وسليمان ونحوهما ‏{‏لا ينالهم اللّه برحمةٍ‏}‏ جواب ‏{‏أقسمتم‏}‏ وهو داخل في صلة ‏{‏الذين‏}‏ تقديره أقسمتم عليهم بأن لا ينالهم الله برحمة أي لا يدخلهم الجنة يحتقرونهم لفقرهم‏.‏ فيقال لأصحاب الأعراف‏:‏ ‏{‏ادخلوا الجنّة‏}‏ وذلك بعد أن نظروا إلى الفريقين وعرفوهم بسيماهم وقالوا ما قالوا ‏{‏لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون وناداى أصحاب النّار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من المآء‏}‏ أن مفسرة‏.‏

وفيه دليل على أن الجنة فوق النار ‏{‏أو ممّا رزقكم اللّه‏}‏ من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة، أو أريد أو ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة كقوله‏:‏

علفتها تبناً وماءاً بارداً

أي وسقيتها وإنما سألوا ذلك مع يأسهم عن الإجابة لأن المتحير ينطق بما يفيد وما لا يفيد ‏{‏قالوآ إنّ اللّه حرّمهما على الكافرين‏}‏ هو تحريم منع كما في ‏{‏وحرمنا عليه المراضع‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 12‏]‏ وتقف هنا إن رفعت أو نصبت ما بعده ذماً، وإن جررته وصفاً للكافرين فلا‏.‏ ‏{‏الّذين اتّخذوا دينهم لهواً ولعباً‏}‏ فحرموا وأحلوا ما شاءوا أو دينهم عيدهم ‏{‏وغرّتهم الحياة الدّنيا‏}‏ اغتروا بطول البقاء ‏{‏فاليوم ننساهم‏}‏ نتركهم في العذاب ‏{‏كما نسوا لقآء يومهم هذا وما كانوا بئاياتنا يجحدون‏}‏ أي كنسيانهم وجحودهم‏.‏

‏{‏ولقد جئناهم بكتابٍ فصّلناه‏}‏ ميزنا حلاله وحرامه ومواعظه وقصصه ‏{‏على علمٍ‏}‏ عالمين بكيفية تفصيل أحكامه ‏{‏هدًى ورحمةً‏}‏ حال من منصوب ‏{‏فصلناه‏}‏ كما أن ‏{‏على علم‏}‏ حال من مرفوعة ‏{‏لّقومٍ يؤمنون هل ينظرون‏}‏ ينتظرون ‏{‏إلاّ تأويله‏}‏ إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد ‏{‏يوم يأتي تأويله يقول الّذين نسوه من قبل‏}‏ تركوه وأعرضوا عنه ‏{‏قد جآءت رسل ربّنا بالحقّ‏}‏ أي تبين وصح أنهم جاءوا بالحق فأقروا حين لا ينفعهم ‏{‏فهل لّنا من شفعآء فيشفعوا لنآ‏}‏ جواب الاستفهام ‏{‏أو نردّ‏}‏ جملة معطوفة على الجملة قبلها داخلة معها في حكم الاستفهام كأنه قيل‏:‏ فهل لنا من شفعاء، أو هل نرد‏؟‏ ورافعه وقوعه موقعاً يصلح للاسم كقولك ابتداء «هل يضرب زيد»، أو عطف على تقدير‏:‏ هل يشفع لنا شافع أو هل نرد ‏{‏فنعمل‏}‏ جواب الاستفهام أيضاً ‏{‏غير الّذي كنّا نعمل قد خسروآ أنفسهم وضلّ عنهم مّا كانوا يفترون‏}‏ ما كانوا يعبدونه من الأصنام‏.‏

‏{‏إنّ ربّكم اللّه الّذي خلق السّماوت والأرض في ستّة أيّامٍ‏}‏ أراد السموات والأرض وما بينهما وقد فصلها في «حم السجدة» أي من الأحد إلى الجمعة لاعتبار الملائكة شيئاً فشيئاً، وللإعلام بالتأني في الأمور، ولأن لكل عمل يوماً، ولأن إنشاء شيء بعد شيء أدل على عالم مدبر مريد يصرّفه على اختياره ويجريه على مشيئته ‏{‏ثمّ استوى‏}‏ استولى ‏{‏على العرش‏}‏ أضاف الاستيلاء إلى العرش وإن كان سبحانه وتعالى مستولياً على جميع المخلوقات، لأن العرش أعظمها وأعلاها‏.‏ وتفسير العرش بالسرير والاستواء بالاستقرار كما تقوله المشبهة باطل، لأنه تعالى كان قبل العرش ولا مكان وهو الآن كما كان، لأن التغير من صفات الأكوان‏.‏ والمنقول عن الصادق والحسن وأبي حنيفة ومالك رضي الله عنهم، أن الاستواء معلوم، والتكييف فيه مجهول، والإيمان به واجب، والجحود له كفر، والسؤال عنه بدعة‏.‏ ‏{‏يغشى الّيل النّهار‏}‏ ‏{‏يغشى‏}‏ حمزة وعلي وأبو بكر‏.‏

أي يلحق الليل بالنهار والنهار بالليل ‏{‏يطلبه حثيثاً‏}‏ حال من الليل أي سريعاً‏.‏ والطالب هو الليل كأنه لسرعة مضيه يطلب النهار ‏{‏والشّمس والقمر والنّجوم‏}‏ أي وخلق الشمس والقمر والنجوم ‏{‏مسخّراتٍ‏}‏ حال أي مذللات ‏{‏والشمس والقمر والنجوم مسخراتٌ‏}‏ شامي ‏{‏والشمس‏}‏ مبتدأ والبقية معطوفة عليها والخبر ‏{‏مسخرات‏}‏ ‏{‏بأمره‏}‏ هو أمر تكوين‏.‏ ولما ذكر أنه خلقهن مسخرات بأمره قال ‏{‏ألا له الخلق والأمر‏}‏ أي هو الذي خلق الأشياء وله الأمر ‏{‏تبارك اللّه‏}‏ كثر خيره أو دام بره من البركة النماء أو من البروك الثبات ومنه البركة ‏{‏ربّ العالمين‏}‏‏.‏

‏{‏ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفيةً‏}‏ نصب على الحال أي ذوي تضرع وخفية، والتضرع تفعل من الضراعة وهي الذل أي تذللاً وتملقاً‏.‏ قال عليه السلام ‏"‏ إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً إنه معكم أينما كنتم ‏"‏ عن الحسن‏:‏ بين دعوة السر والعلانية سبعون ضعفاً‏.‏ ‏{‏إنّه لا يحبّ المعتدين‏}‏ المجاوزين ما أمروا به في كل شيء من الدعاء وغيره‏.‏ وعن ابن جريج‏:‏ الرافعين أصواتهم بالدعاء‏.‏ وعنه‏:‏ الصياح في الدعاء مكروه وبدعة‏.‏ وقيل‏:‏ هو الإسهاب في الدعاء‏.‏ وعن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول‏:‏ اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ‏"‏ ثم قرأ ‏{‏إنه لا يحب المعتدين‏}‏ ‏{‏ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها‏}‏ أي بالمعصية بعد الطاعة، أو بالشرك بعد التوحيد، أو بالظلم بعد العدل ‏{‏وادعوه خوفاً وطمعاً‏}‏ حالان أي خائفين من الرد طامعين في الإجابة، أو من النيران وفي الجنان، أو من الفراق وفي التلاق، أو من غيب العاقبة وفي ظاهر الهداية، أو من العدل وفي الفضل ‏{‏إنّ رحمت اللّه قريبٌ مّن المحسنين‏}‏ ذكر قريب على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه صفة موصوف محذوف أي شيء قريب، أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي، أو للإضافة إلى المذكر‏.‏

‏{‏وهو الّذي يرسل الرّياح‏}‏ ‏{‏الريح‏}‏ مكي وحمزة وعلي ‏{‏بُشرا‏}‏ ‏{‏نشرا‏}‏ حمزة وعلي‏.‏ مصدر نشر، وانتصابه إما لأن أرسل ونشر متقاربان فكأنه قيل نشرها نشراً، وإما على الحال أي منشورات ‏{‏بشرا‏}‏ عاصم تخفيف «بشرا» جمع «بشير»، لأن الرياح تبشر بالمطر ‏{‏نشراً‏}‏ شامي تخفيف «نشر» كرسل ورسل وهو قراءة الباقين جمع «نشور» أي ناشرة للمطر ‏{‏بين يدي رحمته‏}‏ أمام نعمته وهو الغيث الذي هو من أجلّ النعم ‏{‏حتى إذآ أقلّت‏}‏ حملت ورفعت، واشتقاق الإقلال من القلة لأن الرافع المطيق يرى ما يرفعه قليلاً ‏{‏سحاباً ثقالاً‏}‏ بالماء جمع سحابة ‏{‏سقناه‏}‏ الضمير للسحاب على اللفظ ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلاً ‏{‏لبلدٍ مّيّتٍ‏}‏- ميت- لأجل بلد ليس فيه مطر ولسقيه ‏{‏ميّت‏}‏ مدني وحمزة وعلي وحفص ‏{‏فأنزلنا به المآء‏}‏ بالسحاب أو بالسوق وكذلك ‏{‏فأخرجنا به من كلّ الثّمرات كذلك‏}‏ مثل ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات ‏{‏نخرج الموتى لعلّكم تذكّرون‏}‏ فيؤديكم التذكر إلى الإيمان بالبعث إذ لا فرق بين الإخراجين، لأن كل واحد منهما إعادة الشيء بعد إنشائه ‏{‏والبلد الطّيّب‏}‏ الأرض الطيبة الترب ‏{‏يخرج نباته بإذن ربّه‏}‏ بتيسيره وهو موضع الحال كأنه قيل‏:‏ يخرج نباتة حسناً وافياً لأنه واقع في مقابلة ‏{‏نكدا‏}‏ ‏{‏والّذي خبث‏}‏ صفة للبلد أي والبلد الخبيث ‏{‏لا يخرجُ‏}‏ أي نباته فحذف للاكتفاء ‏{‏إلاّ نكداً‏}‏ هو الذي لا خير فيه وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ وهو المؤمن ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك وهو الكافر، وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر مثل المطر وإنزاله بالبلد الميت وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد ‏{‏كذلك‏}‏ مثل ذلك التصريف ‏{‏نُصرّف الآيات‏}‏ نرددها ونكررها ‏{‏لقومٍ يشكرون‏}‏ نعمة الله وهم المؤمنون ليتفكروا فيها ويعتبروا بها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 71‏]‏

‏{‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏59‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏60‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏61‏)‏ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏62‏)‏ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏63‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ‏(‏64‏)‏ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏65‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏66‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏67‏)‏ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ‏(‏68‏)‏ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏69‏)‏ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏70‏)‏ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ‏(‏71‏)‏‏}‏

‏{‏لقد أرسلنا‏}‏ جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا ‏{‏نوحاً إلى قومه‏}‏ أرسل وهو ابن خمسين سنة وكان نجاراً، وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو اسم إدريس عليه السلام ‏{‏فقال ياقوم اعبدوا اللّه ما لكم مّن إله غيره‏}‏ ‏{‏غيره‏}‏ علي‏.‏ فالرفع على المحل كأنه قيل‏:‏ ما لكم إله غيره فلا تعبدوا معه غيره، والجر على اللفظ ‏{‏إنى أخاف عليكم عذاب يومٍ عظيمٍ‏}‏ يوم القيامة أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان‏.‏

‏{‏قال الملأ‏}‏ أي الأشراف والسادة ‏{‏من قومه إنّا لنراك في ضلالٍ مّبينٍ‏}‏ أي بين في ذهاب عن طريق الصواب، والرؤية رؤية القلب ‏{‏قال يا قوم ليس بي ضلالةٌ‏}‏ ولم يقل ضلال كما قالوا لأن الضلالة أخص من الضلال فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه كأنه قال‏:‏ ليس بي شيء من الضلال‏.‏ ثم استدرك لتأكيد نفي الضلالة فقال ‏{‏ولكنّي رسولٌ مّن رّبّ العالمين‏}‏ لأن كونه رسولاً من الله مبلغاً لرسالاته في معنى كونه على الصراط المستقيم فكان في الغاية القصوى من الهدى ‏{‏أبلّغكم رسالات ربّي‏}‏ ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والبشائر والنظائر‏.‏ ‏{‏أبلغكم‏}‏ أبو عمرو‏.‏ وهو كلام مستأنف بيان لكونه رسول رب العالمين ‏{‏وأنصح لكم‏}‏ وأقصد صلاحكم بإخلاص‏.‏ يقال نصحته ونصحت له، وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة‏.‏ وحقيقة النصح إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك أو النهاية في صدق العناية ‏{‏وأعلم من اللّه ما لا تعلمون‏}‏ أي من صفاته يعني قدرته الباهرة وشدة بطشه على أعدائه وأن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين ‏{‏أو عجبتم‏}‏ الهمزة للإنكار والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف كأنه قيل‏:‏ أكذبتم وعجبتم ‏{‏أن جآءكم‏}‏ من أن جاءكم ‏{‏ذكرٌ‏}‏ موعظة ‏{‏مّن رّبّكم على رجلٍ مّنكم‏}‏ على لسان رجل منكم أي من جنسكم، وذلك أنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح عليه السلام ويقولون ‏{‏ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين‏}‏ يعنون إرسال البشر ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة ‏{‏لينذركم‏}‏ ليحذركم عاقبة الكفر ‏{‏ولتتّقوا‏}‏ ولتوجد منكم التقوى وهي الخشية بسبب الإنذار ‏{‏ولعلّكم ترحمون‏}‏ ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم ‏{‏فكذّبوه‏}‏ فنسبوه إلى الكذب ‏{‏فأنجيناه والّذين معه‏}‏ وكانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة وقيل تسعة‏:‏ بنوه سام وحام ويافث، وستة ممن آمن به ‏{‏في الفلك‏}‏ يتعلق بمعه كأنه قيل‏:‏ والذين صحبوه في الفلك ‏{‏وأغرقنا الّذين كذّبوا بأياتنا إنّهم كانوا قوماً عمين‏}‏ عن الحق‏.‏ يقال أعمى في البصر وعمٍ في البصيرة‏.‏

‏{‏وإلى عادٍ‏}‏ وأرسلنا إلى عاد وهو عطف على ‏{‏نوحا‏}‏ ‏{‏أخاهم‏}‏ واحداً منهم من قولك «يا أخا العرب» للواحد منهم‏.‏

وإنما جعل واحداً منهم لأنهم عن رجل منهم أفهم فكانت الحجة عليهم ألزم ‏{‏هوداً‏}‏ عطف بيان ل ‏{‏أخاهم‏}‏ وهو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ‏{‏قال ياقوم اعبدوا اللّه ما لكم مّن إله غيره أفلا تتّقون‏}‏ وإنما لم يقل ‏{‏فقال‏}‏ كما في قصة نوح عليه السلام لأنه على تقدير سؤال سائل قال‏:‏ فما قال لهم هود‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏قال يا قوم اعبدوا اللّه‏}‏ وكذلك ‏{‏قال الملأ الّذين كفروا من قومه‏}‏ وإنما وصف الملأ بالذين كفروا دون الملأ من قوم نوح لأن في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد فأريدت التفرقة بالوصف، ولم يكن في أشراف قوم نوح عليه السلام مؤمن ‏{‏إنّا لنراك في سفاهةٍ‏}‏ في خفة حلم وسخافة عقل حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر‏.‏ وجعلت السفاهة ظرفاً مجازاً يعني أنه متمكن فيها غير منفك عنها ‏{‏وإنّا لنظنّك من الكاذبين‏}‏ في ادعائك الرسالة‏.‏

‏{‏قال يا قوم ليس بي سفاهةٌ ولكنّي رسولٌ مّن رّبّ العالمين أبلّغكم رسالات ربّي وأنا لكم ناصحٌ‏}‏ فيما أدعوكم إليه ‏{‏أمينٌ‏}‏ على ما أقول لكم‏.‏ وإنما قال هنا ‏{‏وأنا لكم ناصح أمين‏}‏ لقولهم ‏{‏وإنا لنظنك من الكاذبين‏}‏ أي ليقابل الاسم الاسم، وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام من ينسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم، أدب حسن وخلق عظيم، وإخبار الله تعالى ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسلبون أذيالهم على ما يكون منهم ‏{‏أو عجبتم أن جآءكم ذكرٌ مّن رّبّكم على رجلٍ مّنكم لينذركم واذكروآ إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوحٍ‏}‏ أي خلفتموهم في الأرض أو في مساكنهم‏.‏ و«إذ» مفعول به وليس بظرف أي اذكروا وقت استخلافكم ‏{‏وزادكم في الخلق بصطةً‏}‏ طولاً وامتداداً فكان أقصرهم ستين ذراعاً وأطولهم مائة ذراع ‏{‏بصطة‏}‏‏:‏ حجازي وعاصم وعلي ‏{‏فاذكروا ءالاء اللّه‏}‏ في استخلافكم وبسطة أجرامكم وما سواهما من عطاياه‏.‏ وواحد الآلاء «إلى» نحو «إنى» و«آناء» ‏{‏لعلّكم تفلحون‏}‏‏.‏

ومعنى المجيء في ‏{‏قالوا أجئتنا‏}‏ أن يكون لهود عليه السلام مكان معتزل عن قومه يتحنث فيه كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قبل المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم ‏{‏لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد ءابآؤنا‏}‏ أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة وترك دين الآباء في اتخاذ الأصنام شركاء معه حباً لما نشئوا عليه ‏{‏فأتنا بما تعدنآ‏}‏ من العذاب ‏{‏إن كنت من الصّادقين‏}‏ أن العذاب نازل بنا ‏{‏قال قد وقع‏}‏ أي قد نزل ‏{‏عليكم‏}‏ جعل المتوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع كقولك لمن طلب إليك بعض المطالب «قد كان» ‏{‏مّن رّبّكم رجسٌ‏}‏ عذاب ‏{‏وغضبٌ‏}‏ سخط ‏{‏أتجادلونني في أسمآء سمّيتموهآ‏}‏ في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات لأنكم تسمون الأصنام آلهة وهي خالية عن معنى الألوهية ‏{‏أنتم وءابآؤكم مّا نزّل الله بها من سلطانٍ‏}‏ حجة ‏{‏فانتظروآ‏}‏ نزول العذاب ‏{‏إنّي معكم مّن المنتظرين‏}‏ ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏72- 87‏]‏

‏{‏فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ‏(‏72‏)‏ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏73‏)‏ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ‏(‏74‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ‏(‏75‏)‏ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏76‏)‏ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏77‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏78‏)‏ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ‏(‏79‏)‏ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ‏(‏80‏)‏ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ‏(‏81‏)‏ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ‏(‏82‏)‏ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ‏(‏83‏)‏ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏84‏)‏ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏85‏)‏ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏86‏)‏ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ‏(‏87‏)‏‏}‏

‏{‏فأنجيناه والذين مَعَهُ‏}‏ أي من آمن به ‏{‏بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا‏}‏ الدابر الأصل أو الكائن خلف الشيء، وقطع دابرهم استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم ‏{‏وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ فائدة نفي الإيمان عنهم مع إثبات التكذيب بآيات الله الإشعار بأن الهلاك خص المكذبين‏.‏ وقصتهم أن عاداً قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت، وكانت لهم أصنام يعبدونها صداء وصمود والهباء، فبعث الله إليهم هوداً فكذبوه فأمسك القطر عنهم ثلاث سنين‏.‏ وكانوا إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج منه عند بيته الحرام فأوفدوا إليه قيل ابن عنز ونعيم بن هزال ومرثد بن سعد وكان يكتم إيمانه بهود عليه السلام وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوز بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر، فنزلوا عليه بظاهر مكة فقال لهم مرثد‏:‏ لن تسقوا حتى تؤمنوا بهود فخلفوا مرثداً وخرجوا فقال قيل‏:‏ اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه منادٍ من السماء‏:‏ يا قيل اختر لنفسك ولقومك، فاختار السوداء على ظن أنها أكثر ماء فخرجت على عاد من وادٍ لهم فاستبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا‏.‏

‏{‏وإلى ثَمُودَ‏}‏ وأرسلنا إلى ثمود‏.‏ وقريء ‏{‏وإلى ثمودٍ‏}‏ بتأويل الحي أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر، ومنع الصرف بتأويل القبيلة، وقيل‏:‏ سميت ثمود لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام ‏{‏أَخَاهُمْ صالحا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ‏}‏ آية ظاهرة شاهدة على صحة نبوتي فكأنه قيل‏:‏ ما هذه البينة‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏هذه نَاقَةُ الله‏}‏ وهذه إضافة تخصيص وتعظيم لأنها بتكوينه تعالى بلا صلب ولا رحم ‏{‏لَكُمْ ءايَةً‏}‏ حال من الناقة والعامل معنى الإشارة في ‏{‏هذه‏}‏ كأنه قيل‏:‏ أشير إليها آية ولكم بيان لمن هي له آية وهي ثمود لأنهم عاينوها ‏{‏فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله‏}‏ أي الأرض أرض الله والناقة ناقة الله فذروها تأكل في أرض ربها من نبات ربها فليس عليكم مؤنتها ‏{‏وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء‏}‏ ولا تضربوها ولا تعقروها ولا تطردوها إكراماً لآية الله ‏{‏فَيَأْخُذَكُمْ‏}‏ جواب النهي ‏{‏عَذَابٌ أَلِيمٌ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ‏}‏ ونزلكم، والمباءة المنزل ‏{‏فِى الأرض‏}‏ في أرض الحجر بين الحجاز والشام ‏{‏تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا‏}‏ غرفاً للصيف ‏{‏وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتًا‏}‏ للشتاء، و‏{‏بُيُوتًا‏}‏ حال مقدرة نحو «خط هذا الثوب قميصاً» إذ الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت ولا الثوب قميصاً في حال الخياطة ‏{‏فاذكروا ءالآء الله وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ‏}‏ روي أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوها في الأرض وعمروا أعماراً طوالاً، فنحتوا البيوت من الجبال خشية الانهدام قبل الممات، وكانوا في سعة من العيش فعتوا على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً وصالح من أوسطهم نسباً، فدعاهم إلى الله فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون فأنذرهم، فسألوه أن يخرج من صخرة بعينها ناقة عشراء فصلى ودعا ربه فتمخضت تمخض النتوج بولدها فخرجت منها ناقة كما شاؤوا فآمن به جندع ورهط من قومه‏.‏

‏{‏قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ‏}‏ ‏{‏وَقَالَ‏}‏ شامي ‏{‏لِلَّذِينَ استضعفوا‏}‏ للذين استضعفهم رؤساء الكفار ‏{‏لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ‏}‏ بدل من ‏{‏الذين استضعفوا‏}‏ بإعادة الجار، وفيه دليل على أن البدل حيث جاء كان في تقدير إعادة العامل، والضمير في ‏{‏مِنْهُمْ‏}‏ راجع إلى قومه وهو يدل على أن استضعافهم كان مقصوراً على المؤمنين، أو إلى ‏{‏الذين استضعفوا‏}‏ وهو يدل على أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين ‏{‏أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالحا مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ‏}‏ قالوه على سبيل السخرية ‏{‏قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ‏}‏ وإنما صار هذا جواباً لهم لأنهم سألوهم عن العلم بإرساله أمراً معلوماً مسلماً كأنهم قالوا‏:‏ العلم بإرساله وبما أرسل به لا شبهة فيه، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنابه مؤمنون ‏{‏قَالَ الذين استكبروا إِنَّا بالذى ءامَنتُمْ بِهِ كافرون‏}‏ فوضعوا ‏{‏آمنتم به‏}‏ موضع أرسل به رداً لما جعله المؤمنون معلوماً مسلماً ‏{‏فَعَقَرُواْ الناقة‏}‏ أسند العقر إلى جميعهم وإن كان العاقر قدار بن سالف لأنه كان برضاهم‏.‏ وكان قدار أحمر أزرق قصيراً كما كان فرعون كذلك‏.‏ وقال عليه السلام‏:‏ «يا علي، أشقى الأولين عاقر ناقة صالح وأشقى الآخرين قاتلك» ‏{‏وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ‏}‏ وتولوا عنه واستكبروا وأمر ربهم ما أمر به على لسان صالح عليه السلام من قوله ‏{‏فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله‏}‏ أو شأن ربهم وهو دينه ‏{‏وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا‏}‏ من العذاب ‏{‏إِن كُنتَ مِنَ المرسلين فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة‏}‏ الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها ‏{‏فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ‏}‏ في بلادهم أو مساكنهم ‏{‏جاثمين‏}‏ ميتين قعوداً‏.‏ يقال‏:‏ الناس جثم أي قعود لا حراك بهم ولا يتكلمون ‏{‏فتولى عَنْهُمْ‏}‏ لما عقروا الناقة ‏{‏وَقَالَ يا قَوْمِ‏}‏ عند فراقه إياهم ‏{‏لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين‏}‏ الآمرين بالهدى لاستحلاء الهوى والنصيحة منيحة تدرأ الفضيحة، ولكنها وخيمة تورث السخيمة‏.‏

روي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء فقال صالح‏:‏ تعيشون بعده ثلاثة أيام، تصفر وجوهكم أول يوم، وتحمر في الثاني، وتسود في الثالث، ويصيبكم العذاب في الرابع وكان كذلك‏.‏ روي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي، فلما علم أنهم هلكوا رجع بمن معه فسكنوا ديارهم‏.‏ ‏{‏وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ‏}‏ أي واذكر لوطاً «وإذ» بدل منه ‏{‏أَتَأْتُونَ الفاحشة‏}‏ أتفعلون السيئة المتمادية في القبح ‏{‏مَا سَبَقَكُمْ بِهَا‏}‏ ما عملها قبلكم والباء للتعدية ومنه قوله عليه السلام ‏"‏ سبقك بها عكاشة ‏"‏ ‏{‏مّنْ أَحَدٍ‏}‏ «من» زائدة لتأكيد المنفي وإفادة معنى الاستغراق ‏{‏مّن العالمين‏}‏ «من» للتبعيض وهذه جملة مستأنفة أنكر عليهم أولاً بقوله ‏{‏أَتَأْتُونَ الفاحشة‏}‏ ثم وبخهم عليها فقال أنتم أول من عملها‏.‏ وقوله تعالى ‏{‏إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال‏}‏-أئنكم لتأتون الرجال- بيان لقوله ‏{‏أَتَأْتُونَ الفاحشة‏}‏ والهمزة مثلها في ‏{‏أَتَأْتُونَ‏}‏ للإنكار‏.‏ ‏{‏إِنَّكُمْ‏}‏ على الإخبار‏:‏ مدني وحفص‏.‏ يقال‏:‏ أتى المرأة إذا غشيها ‏{‏شَهْوَةً‏}‏ مفعول له أي للاشتهاء لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة، ولا ذم أعظم منه لأنه وصف لهم بالبهيمية ‏{‏مّن دُونِ النساء‏}‏ أي لا من النساء ‏{‏بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ‏}‏ أضرب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء فمن ثمّ أسرفوا في باب قضاء الشهوة حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد‏.‏

‏{‏وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ‏}‏ أي لوطاً ومن آمن معه يعني ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط من إنكار الفاحشة، ووصفهم بصفة الإسراف الذي هو أصل الشر، ولكنهم جاءوا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم ‏{‏إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ‏}‏ يدّعون الطهارة ويدعون فعلنا الخبيث عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ عابوهم بما يتمدح به ‏{‏فأنجيناه وَأَهْلَهُ‏}‏ ومن يختص به من ذويه أو من المؤمنين ‏{‏إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين‏}‏ من الباقين في العذاب، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث وكانت كافرة موالية لأهل سدوم، وروي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت ‏{‏وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا‏}‏ وأرسلنا عليهم نوعاً من المطر عجيباً قالوا‏:‏ أمطر الله عليهم الكبريت والنار‏.‏ وقيل‏:‏ خسف بالمقيمين منهم وأمطرت حجارة على مسافريهم‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ أمطر في العذاب ومطر في الرحمة ‏{‏فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين‏}‏ الكافرين‏.‏

‏{‏وإلى مَدْيَنَ‏}‏ وأرسلنا إلى مدين وهو اسم قبيلة ‏{‏أخاهم شُعَيْباً‏}‏ يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل بخس للمكاييل والموازين ‏{‏قَالَ يَا قَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ‏}‏ أي معجزة وإن لم تذكر في القرآن ‏{‏فَأَوْفُواْ الكيل والميزان‏}‏ أتموهما والمراد فأوفوا الكيل ووزن الميزان، أو يكون الميزان كالميعاد بمعنى المصدر ‏{‏وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ‏}‏ ولا تنقصوا حقوقهم بتطفيف الكيل ونقصان الوزن، وكانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعتهم‏.‏

«وبخس» يتعدى إلى مفعولين وهما الناس وأشياءهم تقول‏:‏ بخست زيداً حقه أي نقصته إياه ‏{‏وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض بَعْدَ إصلاحها‏}‏ بعد الإصلاح فيها أي لا تفسدوا فيها بعدما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء والأولياء‏.‏ وإضافته كإضافة ‏{‏بَلْ مَكْرُ اليل والنهار‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 33‏]‏ أي بل مكركم في الليل والنهار ‏{‏ذلكم‏}‏ إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض ‏{‏خَيْرٌ لَّكُمْ‏}‏ في الإنسانية وحسن الأحدوثة ‏{‏إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ مصدقين لي في قولي ‏{‏وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط‏}‏ بكل طريق ‏{‏تُوعَدُونَ‏}‏ من آمن بشعيب بالعذاب ‏{‏وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله‏}‏ عن العبادة ‏{‏مَنْ ءامَنَ بِهِ‏}‏ بالله وقيل‏:‏ كانوا يقطعون الطرق‏.‏ وقيل‏:‏ كانوا عشارين ‏{‏وَتَبْغُونَهَا‏}‏ وتطلبون لسبيل الله ‏{‏عِوَجَا‏}‏ أي تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة لتمنعوهم عن سلوكها‏.‏ ومحل ‏{‏تُوعَدُونَ‏}‏ وما عطف عليه النصب على الحال أي لا تقعدوا موعدين وصادين عن سبيل الله وباغين عوجاً ‏{‏واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً‏}‏ «إذ» مفعول به غير ظرف أي واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلاً عددكم ‏{‏فَكَثَّرَكُمْ‏}‏ الله ووفر عددكم‏.‏ وقيل‏:‏ إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا ‏{‏وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين‏}‏ آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وهود ولوط عليهم السلام ‏{‏وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بالذى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فاصبروا‏}‏ فانتظروا ‏{‏حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا‏}‏ أي بين الفريقين بأن ينصر المحقين على المبطلين ويظهرهم عليهم، وهذا وعيد للكافرين بانتقام الله تعالى منهم، أو هو حث للمؤمنين على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم، أو هو خطاب للفريقين أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار، والكافرون على ما يسوءهم من إيمان من آمن منهم حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب‏.‏ ‏{‏وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين‏}‏ لأن حكمه حق وعدل لا يخاف فيه الجور‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 102‏]‏

‏{‏قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ‏(‏88‏)‏ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ‏(‏89‏)‏ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ‏(‏90‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏91‏)‏ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ‏(‏92‏)‏ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ‏(‏93‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ‏(‏94‏)‏ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏95‏)‏ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏96‏)‏ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ‏(‏97‏)‏ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ‏(‏98‏)‏ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏99‏)‏ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏100‏)‏ تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ‏(‏101‏)‏ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ‏(‏102‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا‏}‏ أي ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم وإما عودكم في الكفر ‏{‏قَالَ‏}‏ شعيب ‏{‏أَوَلَوْ كُنَّا كارهين‏}‏ الهمزة للاستفهام والواو للحال تقديره أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا ومع كوننا كارهين قالوا‏:‏ نعم‏.‏ ثم قال شعيب ‏{‏قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ‏}‏ وهو قسم على تقدير حذف اللام أي والله لقد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم ‏{‏بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا‏}‏ خلصنا الله‏.‏ فإن قلت‏:‏ كيف قال شعيب ‏{‏إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ‏}‏ والكفر على الأنبياء عليهم السلام محال‏؟‏ قلت‏:‏ أراد عود قومه إلا أنه يضم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب ‏{‏وَمَا يَكُونُ لَنَا‏}‏ وما ينبغي لنا وما يصح ‏{‏أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله رَبُّنَا‏}‏ إلا أن يكون سبق في مشيئته أن نعود فيها إذ الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى خيرها وشرها ‏{‏وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا‏}‏ تمييز أي هو عالم بكل شيء فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحول وقلوبهم كيف تتقلب ‏{‏عَلَى الله تَوَكَّلْنَا‏}‏ في أن يثبتنا على الإيمان ويوفقنا لازدياد الإيقان ‏{‏رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق‏}‏ أي الحكم والفتاحة الحكومة والقضاء بالحق بفتح الأمر المغلق فلذا سمي فتحاً، ويسمي أهل عمان القاضي فتاحاً ‏{‏وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين‏}‏ كقوله ‏{‏وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين‏}‏ ‏{‏وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون‏}‏ مغبونون لفوات فوائد البخس والتطفيف باتباعه لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء والتسوية‏.‏ وجواب القسم الذي وطأته اللام في ‏{‏لَئِنِ اتبعتم‏}‏ وجواب الشرط ‏{‏إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون‏}‏ فهو ساد مسد الجوابين ‏{‏فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة‏}‏ الزلزلة ‏{‏فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين‏}‏ ميتين ‏{‏الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا‏}‏ مبتدأ خبره ‏{‏كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا‏}‏ لم يقيموا فيها‏.‏ غني بالمكان أقام ‏{‏الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا‏}‏ مبتدأ خبره ‏{‏كَانُواْ هُمُ الخاسرين‏}‏ لا من قالوا لهم إنكم إذاً لخاسرون وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قيل‏:‏ الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أهلكوا كأن لم يقيموا في دارهم، لأن الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله، الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه فهم الرابحون، وفي التكرار مبالغة واستعظام لتكذيبهم ولما جرى عليهم‏.‏

‏{‏فتولى عَنْهُمْ‏}‏ بعد أن نزل بهم العذاب ‏{‏وَقَالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالات رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءاسى‏}‏ أحزن ‏{‏على قَوْمٍ كافرين‏}‏ اشتد حزنه على قومه، ثم أنكر على نفسه فقال‏:‏ كيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم، أو أراد لقد أعذرت لكم في الإبلاغ والتحذير مما حل بكم فلم تصدقوني فكيف آسى عليكم ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ‏}‏ يقال لكل مدينة قرية، وفيه حذف أي فكذبوه ‏{‏إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء‏}‏ بالبؤس والفقر ‏{‏والضراء‏}‏ الضر والمرض لاستكبارهم عن اتباع نبيهم، أو هما نقصان النفس والمال ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ‏}‏ ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر ‏{‏ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة‏}‏ أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء، والمحنة‏:‏ الرخاء والسعة والصحة ‏{‏حتى عَفَواْ‏}‏ كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم «عفا النباب» إذا كثر، ومنه قوله عليه السلام

‏"‏ واعفوا اللحى ‏"‏‏.‏

وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا الضراء والسراء‏}‏ أي قالوا هذه عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء وقد مس آباءنا نحو ذلك وما هو بعقوبة الذنب فكونوا على ما أنتم عليه ‏{‏فأخذناهم بَغْتَةً‏}‏ فجأة ‏{‏وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ‏}‏ بنزول العذاب‏.‏

واللام في ‏{‏وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى‏}‏ إشارة إلى أهل القرى التي دل عليها ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ‏}‏ كأنه قال‏:‏ ولو أن أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا ‏{‏ءامَنُواْ‏}‏ بدل كفرهم ‏{‏واتقوا‏}‏ الشرك مكان ارتكابه ‏{‏لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم‏}‏ ‏{‏لَفَتَحْنَا‏}‏ شامي ‏{‏بركات مّنَ السماء والأرض‏}‏ أراد المطر والنبات أو لآتيناهم بالخير من كل وجه ‏{‏ولكن كَذَّبُواْ‏}‏ الأنبياء ‏{‏فأخذناهم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ‏}‏ بكفرهم وسوء كسبهم، ويجوز أن تكون اللام للجنس ‏{‏أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى‏}‏ يريد الكفار منهم ‏{‏أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا‏}‏ عذابنا ‏{‏بَيَاتًا‏}‏ ليلاً أي وقت بيات، يقال بات بياتاً ‏{‏وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى‏}‏ نهاراً‏.‏ والضحى في الأصل ضوء الشمس إذا أشرقت‏.‏ والفاء والواو في ‏{‏أَفَأَمِنَ‏}‏ و‏{‏أَوَ أَمِنَ‏}‏ حرفا عطف دخل عليهما همزة الإنكار، والمعطوف عليه ‏{‏فأخذناهم بَغْتَةً‏}‏ وقوله ‏{‏وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى‏}‏ إلى ‏{‏يَكْسِبُونَ‏}‏ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه‏.‏ وإنما عطفت بالفاء لأن المعنى فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة، أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى ‏{‏أَوَ أَمِنَ‏}‏ شامي وحجازي على العطف ب «أو» والمعنى إنكار الأمن من أحد هذين الوجهين من إتيان العذاب ليلاً أو ضحى، فإن قلت‏:‏ كيف دخل همزة الاستفهام على حرف العطف وهو ينافي الاستفهام‏؟‏ قلت‏:‏ التنافي في المفرد لا في عطف جملة على جملة لأنه على استئناف جملة بعد جملة ‏{‏وَهُمْ يَلْعَبُونَ‏}‏ يشتغلون بما لا يجدي عليهم‏.‏

‏{‏أَفَأَمِنُواْ‏}‏ تكرير لقوله ‏{‏أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى‏}‏ ‏{‏مَكْرَ الله‏}‏ أخذه العبد من حيث لا يشعر‏.‏

وعن الشبلي قدس الله روحه العزيز‏:‏ مكره بهم تركه إياهم على ما هم عليه‏.‏ وقالت ابنة الربيع بن خيثم لأبيها‏:‏ مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام‏؟‏ قال‏:‏ يا بنتاه إن أباك يخاف البيات أراد قوله ‏{‏أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا‏}‏ ‏{‏فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون‏}‏ إلا الكافرون الذين خسروا أنفسهم حتى صاروا إلى النار‏.‏

‏{‏أَوَلَمْ يَهْدِ‏}‏ يبين ‏{‏لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ‏}‏ ‏{‏أَن لَّوْ نَشَاء‏}‏ مرفوع بأنه فاعل ‏{‏يَهْدِ‏}‏ «وأن» مخففة من الثقيلة أي أولم يهدِ للذين يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ويرثونهم أرضهم هذا الشأن، وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم فأهكلنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين، وإنما عدي فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين ‏{‏وَنَطْبَعُ‏}‏ مسأنف أي ونحن نختم ‏{‏على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ‏}‏ الوعظ ‏{‏تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا‏}‏ كقوله ‏{‏هذا بَعْلِى شَيْخًا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 72‏]‏ في أنه مبتدأ وخبر وحال، أو تكون ‏{‏القرى‏}‏ صفة ‏{‏تِلْكَ‏}‏ و‏{‏نَقُصُّ‏}‏ خبراً والمعنى‏:‏ تلك القرى المذكورة من قوم نوح إلى قوم شعيب نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك ‏{‏وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات‏}‏ بالمعجزات ‏{‏فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ‏}‏ عند مجيء الرسل بالبينات ‏{‏بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ‏}‏ بما كذبوا من آيات الله من قبل مجيء الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أولاً حين جاءتهم الرسل أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين مع تتابع الآيات، واللام لتأكيد النفي‏.‏ ‏{‏كذلك‏}‏ مثل ذلك الطبع الشديد ‏{‏يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين‏}‏ لما علم منهم أنهم يختارون الثبات على الكفر ‏{‏وَمَا وَجَدْنَا لأَِكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ‏}‏ الضمير للناس على الإطلاق يعني أن أكثر الناس نقضوا عهد الله وميثاقه في الإيمان، والآية اعتراض، أو للأمم المذكورين فإنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضر ومخافة لئن أنجيتنا لنؤمنن ثم أنجاهم نكثوا ‏{‏وإن‏}‏ وإن الشأن والحديث ‏{‏وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لفاسقين‏}‏ لخارجين عن الطاعة، والوجود بمعنى العلم بدليل دخول «إن» المخففة واللام الفارقة، ولا يجوز ذلك إلا في المبتدأ والخبر والأفعال الداخلة عليهما‏.‏